الشيخ عبد الغني النابلسي
213
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
إنكارهم واقتصارهم على التنزيه العقلي حتى تبعتهم المعتزلة في إنكار رؤية الرب تعالى في الآخرة . وافهم الصفات الشرعية الواردة في حق اللّه تعالى على حسب التنزيه العقلي تكن من المؤمنين العارفين ، وتحقق أن صورة اللّه تعالى هي مجموع صفاته ومدلولات أسمائه الواردة في الكتاب والسنة ، ولا تفهم شيئا من ذلك كما تفهمه إذا نسب إلى المخلوق ، تعرف حينئذ معنى أن اللّه تعالى خلق آدم على صورته ، وكذلك كل إنسان من أولاد آدم مخلوق على الصورة الإلهية أي مخلوق له أعضاء جسمانية وقوى روحانية مسماة بأسماء الصفات والأسماء الإلهية ، وكل عضو منها وقوّة منها مظهر لما يناسبها من الصفات والأسماء الإلهية ، والجميع مظهر للجميع حتى الذات للذات ، فالصورة الآدمية مظهر للصورة الإلهية ، والحضرة الربانية عند قوم ، وحجابه عليها عند قوم آخرين . فلا يتولى حل ، أي إزالة نظامها ، أي هذه النشأة الإنسانية وإماتتها إلا من خلقها وهو اللّه تعالى إما بيده سبحانه وهو الموت حتف الأنف وغيره وليس الواقع إلا ذلك كما قال تعالى : يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [ الزمر : 42 ] وإن كان بواسطة ملك الموت ولكن لما كان التأثير له تعالى وحده ولا تأثير لملك الموت في ذلك لم يذكره تعالى في هذه الآية في قوله سبحانه : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [ السجدة : 11 ] لم يذكر سبحانه أنه هو المتوفي لهم وذكر ملك الموت ، لأنه خطاب للكافرين وهم لا يعرفون اللّه تعالى ولكن يعرفون المخلوق ، فنسبت الوفاة إليه مناسبة لهم أو بأمره ، أي اللّه تعالى كقتل المحصن بالحد ، والقتل بالقصاص ، وقتل أهل الحرب والردة ونحو ذلك . ومن تولاها ، أي تلك الفعلة في هذه النشأة الإنسانية بغير أمر اللّه تعالى بأن قتل أحدا من غير حق ببغي أو قطع طريق أو نحوه فقد ظلم ذلك المتولي للقتل نفسه المكلفة شرعا بالكف عن مثل ذلك وتعدى حد اللّه تعالى فيها ، أي في تلك الفعلة المذكورة وسعى في خراب من أمر اللّه تعالى بعمارته من هذه البنية الآدمية والنشأة الإنسانية ، قال تعالى : وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [ المائدة : 32 ] . * * * واعلم أنّ الشّفقة على عباد اللّه أحقّ بالرّعاية من الغيرة في اللّه . أراد داود بنيان البيت المقدس فبناه مرارا ، فكلّما فرغ منه تهدّم ، فشكا ذلك